الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
147
نفحات القرآن
على وحدانية ذاته ( فتأمّل جيّداً ) . ولا منافاة - طبعاً - بين التفسيرات الثلاثة ويمكن أن تكمن في مفهوم الآية ، وعليه فإنّ إصرار بعض المفسّرين مثل صاحب ( الميزان ) في أنّ تفسير الآية ينحصر في المعنى الأوّل ( الشهادة اللفظية ) مع ملاحظة إطلاق لفظ الآية ممّا لا يوجد دليل واضح عليه . أمّا السبب في تكرار جملة ( لا إله إلّااللَّه ) في الآية ، فالظاهر هو أنّ الأولى بمثابة المقدّمة ، والثانية النتيجة ، ولعلّ في الرواية التي وردت في تفسير القرطبي ( المفسّر السنّي المعروف ) عن الإمام الصادق عليه السلام إشارة إلى هذا المعنى حيث يقول فيها : الأولى وصف وتوحيد ، والثانية رسم وتعليم يعني « قولوا لا إله إلّااللَّه العزيز الحكيم » « 1 » . هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن : الآية الثانية وهي من الآيات الأولى من سورة الحديد - ونعلم أنّ هذه الآيات تتضمّن بياناً دقيقاً وظريفاً عن صفات اللَّه الجمالية والجلالية لذوي الأفكار الثاقبة ، كما يستفاد من الحديث الوارد عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام - يقول عزّ وجلّ : « لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ » « 2 » ولذلك فإنّ الحياة والموت في قبضته أيضاً : « يُحْى وَيُميتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَدْيرٌ » . وعليه فإنّ المدير والمدبّر لهذا الكون هو ذاته المقدّسة فقط . وفي ذيل الآية توجد قضيّة يمكن أن تكون دليلًا على التوحيد في مالكيته وحاكميته وتدبيره حيث تقول : « هُوَ الأَوّلُ والآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَىءٍ عَليمٌ » . في هذه الآية بيان لخمس صفات من صفاته المقدّسة وتدلّ بمجموعها على أنّ ذاته المقدّسة لا نهاية لها ، فهو أوّل كلّ شيء ، وآخر كلّ شيء ، وهو الموجود في الظاهر والباطن ،
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ، ج 2 ، ص 1285 . ( 2 ) لاحظ أنّ في تقديم ( له ) إشارة إلى الحصر ، ويعني أنّ ملك السماوات والأرض منحصر في ذاته المقدّسة .